🕐 --:-- | | بغداد

جريدة يومية سياسية عامة مستقلة

قصص اليوم

  • كيف نحوّل التحدي إلى فرصة

  • يوم تاريخي في العراق

  • أرقام قياسية جديدة

  • من قلب بغداد

  • مفاجآت المونديال الكبرى

  • المنتخب الأوفر حظاً

  • لماذا يراقب الجميع السوق؟

  • الحرارة.. حين يدفع العالم الثمن

  • دبي.. لغة الإنجاز

نحو دسترةِ الذكاء الاصطناعي

أ.د.حسن الياسري  لقد أضحى الذكاء الاصطناعي أحد أكثر مظاهر التحول الرقمي تأثيرًا في بنية الدولة الحديثة ووظائفها؛ لما له من قدرةٍ على التأثير المباشر في الحقوق والحريات الأساسية والاقتصاد والأمن القومي والإدارة العامة. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطورٍ تقنيٍ…

الصورة الرمزية لـ Editor 1
شارك الخبر: f 𝕏 wa tg

أ.د.حسن الياسري

 لقد أضحى الذكاء الاصطناعي أحد أكثر مظاهر التحول الرقمي تأثيرًا في بنية الدولة الحديثة ووظائفها؛ لما له من قدرةٍ على التأثير المباشر في الحقوق والحريات الأساسية والاقتصاد والأمن القومي والإدارة العامة. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطورٍ تقنيٍ محايد، بل تحول إلى أداةٍ فاعلةٍ في صنع القرار وتوجيه السياسات العامة والتأثير في حياة الأفراد اليومية.وإزاء هذا التحول تبرز إشكاليةٌ جوهريةٌ تتمثل في مدى كفاية التنظيم الدستوري التقليدي لمواجهة المخاطر الدستورية الناشئة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي وما إذا كان الأمر يستوجب تدخلًا دستوريًا مباشراً فيما يمكن أن نطلق عليه بـ (دسترة الذكاء الاصطناعي).وبالنظر لعدم وجود مساحةٍ دستوريةٍ أو دراساتٍ دستوريةٍ تُكيِّف الوضع الدستوري للأنظمة الذكية ؛ فأجدُ من الأهمية بمكانٍ إيلاء هذا الأمر أهميةً، بل أولويةً ، عبر التطرُّق بإيجازٍ إلى المطالب الآتية :

  مفهوم الذكاء الاصطناعي وطبيعته القانونية، خطورة الذكاء الاصطناعي، غياب النص الدستوري الصريح المنظِّم له، مسوِّغات دسترة الذكاء الاصطناعي،التحديات والعقبات التي تواجه التنظيم الدستوري لأنظمة الذكاء الاصطناعي، الأسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي.

   إنَّ البحث في هذه المطالب سيسهم بالمحصِّلة في تكييف الوضع الدستوري لهذه الأنظمة وفي دسترتها.وسأتطرق بإيجازٍ شديدٍ إلى المطالب الخمسة الأُول وأذر السادس والسابع إلى الجزء الثاني إن شاء الله.  

مفهوم الذكاء الاصطناعي وطبيعته القانونية :

  يُراد بالذكاء الاصطناعي مجموعة الأنظمة والتطبيقات القادرة على محاكاة السلوك الذكي للإنسان والتعلم من البيانات واتخاذ قراراتٍ أو تقديم توصياتٍ قد تكون ملزمةً أو مؤثرةً في المركز القانوني للأفراد.

ومن الناحية القانونية يتميز الذكاء الاصطناعي بالسمات الآتية :

  1. غياب الشخصية القانونية المستقلة.
  2. الاستقلالية النسبية في الأداء.
  3. صعوبة تفسير منطق القرارات التي يتخذها.

   وهي سماتٌ تضعه في موضع إشكالٍ فيما يتعلق بالنظرية القانونية التقليدية.

خطورة الذكاء الاصطناعي :

لعلَّ خطورة الذكاء الاصطناعي تكمن في الأبعاد الآتية  :

1- إنه يتخذ قراراتٍ ذات أثرٍ قانونيٍ مباشر.

2- إنه يعمل أحيانًا باستقلاليةٍ نسبيةٍ عن الإرادة البشرية.وليس ثمة    ضمانةٌ في عدم خروجه عن السيطرة البشرية.

3- إنه يقوم على تحليلٍ ضخمٍ للبيانات الشخصية.

   إنَّ هذا الواقع يستدعي إعادة نظرٍ في الأدوات الدستورية التقليدية، ويطرح سؤالاً محورياً :

   هل تكفي النصوص الدستورية التقليدية لحماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، أو أنَّ الأمر يستوجب إعادة صياغة بعض المبادئ الدستورية أو استحداث ضماناتٍ دستوريةٍ جديدة ؟

غياب النص الدستوري الصريح المُنظِّم للذكاء الاصطناعي :

   تكاد تُجمع الدراسات الدستورية المقارنة على أنَّ أغلب الدساتير، إن لم يكن كلها، لا تتضمن نصوصًا صريحةً تُنظِّم الذكاء الاصطناعي، بيد أنَّ ذلك لا يعني وجود فراغٍ دستوري، إذ تخضع هذه التقنية لجملةٍ من المبادئ الدستورية العامة التي يمكن الركون إليها في هذا الباب، لعل من أبرزها المبادئ الأربعة الآتية :  

  • مبدأ سيادة القانون.
  • مبدأ المشروعية.
  • مبدأ الكرامة الإنسانية.
  • مبدأ حماية الحقوق والحريات الأساسية.

   وبذلك يمكن القول بخضوع الذكاء الاصطناعي لرقابةٍ دستوريةٍ، لكنها رقابةٌ غير مباشرة.

مسوِّغات دسترة الذكاء الاصطناعي :

تنبع ضرورة تنظيم الذكاء الاصطناعي دستورياً من المسوغات الآتية :

  1. خطورة الذكاء الاصطناعي على الحقوق الأساسية.
  2. استعماله المتزايد من قبل السلطات العامة.
  3. قصور التشريع العادي عن مواكبة التطور السريع والمهول  الذي تشهده أنظمة الذكاء الاصطناعي.
  4. الحاجة إلى ضماناتٍ عليا لا يجوز الانتقاص منها.

التحديات والعقبات :

   ثمة تحدياتٌ وعقباتٌ تقف بوجهِ التنظيم الدستوري لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يمكن إجمالها بالآتي :

1. الفجوة بين السرعة التقنية الهائلة من جهةٍ وبطء التطور الدستوري من جهةٍ أخرى.

2. طبيعة التقنية العابرة للحدود في مواجهة السيادة الوطنية.

3. صعوبة الرقابة على أنظمةٍ ذكيةٍ معقدةٍ وغير قابلةٍ للتفسير أحياناً.

   وللحديث تتمَّة إنْ شاء الله للبحث في الأسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي والمقترحات الدستورية التي يمكن أن نقدِّمها بغية تنظيمه.

                 الجزء الثاني

     بالنظر لعدم وجود مساحةٍ دستوريةٍ ولا دراساتٍ دستوريةٍ تُكيِّف الوضع الدستوري للأنظمة الذكية؛ فيبدو من الأهمية بمكانٍ التفكير في إيجاد أسسٍ دستوريةٍ لتنظيم هذه الأنظمة؛ ومؤدى ذلك كله سيسهم بالمحصِّلة في دسترتها وتنظيمها دستورياً.  

الأُسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي

ثمة أُسسٌ دستوريةٌ يمكن أنْ نقترحها بغية تنظيم الذكاء الاصطناعي، يمكن إجمالها بالآتي :

1. سيادة القانون في الفضاء الرقمي :

   يجب أن يمتد المبدأ أو الأساس الدستوري المتمثل بـ (سيادة القانون) ليشمل الفضاء الرقمي والأنظمة الذكية.وبمقتضى ذلك ينبغي خضوع الأنظمة الذكية للدستور من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى خضوع الخوارزميات للمساءلة القانونية.فكما أنَّ السلطات العامة تخضع للدستور،فكذا يجب أن تخضع الأنظمة الذكية لإطارٍ دستوريٍ يحمي القيم المجتمعية الأساسية ويكفل مساءلتها القانونية.فالسيادة للقانون، ويتعيَّن خضوع الأنظمة الذكية له وعدم خروجها عنه أو عن السيطرة البشرية.ولعلَّ الأمر يزداد خطورةً حينما نسمع أن شركة (x space) المملوكة ل (إيلون ماسك) قد أعلنت قبل أيام عن سعيها لإطلاق مشروعٍ فضائيٍّ ضخم لنقل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء بدلاً من الأرض.فإذا كان الذكاء الاصطناعي بهذه الخطورة وهو في الأرض، فماذا سيحدث لو نُقلت بياناته كلها إلى الفضاء الخارجي، ومَنْ ذا الذي يضمن قدرة البشر على السيطرة عليه وعدم انفلاته أو تمرُّده؟! وقد أشار إلى هذه المخاوف عرَّاب الذكاء الاصطناعي (جيفري هينتون) الذي استقال من العمل في شركة (Google)، وأبدى ندمه على أنه عمل في الذكاء الاصطناعي وطوَّره، ثم أردف قائلاً : ((إنَّ البشرية لا تعرف إلى أين تتجه .. إنَّ الإصدارات المستقبلية للذكاء الاصطناعي قد تمثل تهديداً للبشرية.. ربما يصبح هذا يوماً ما سلاحاً قاتلاً)).وهو كلامٌ يتفق مع ما أطلقهُ مختصّون كُثر، ومع ما أطلقه المفوض الأممي لحقوق الإنسان (فولكر تورك) من تحذيرٍ بهذا الشأن،إذ قال في اجتماع مجلس حقوق الإنسان الأخير المنعقد في جنيف: ))إنَّ الذكاء الاصطناعي المتقدم قد يمثِّل خطراً وجودياً على البشرية)).

   وبناءً على ذلك لا بدَّ من سريان مبدأ أو أساس (سيادة القانون) على هذه الأنظمة حيثما حلَّت، وضمان السيطرة عليها وعدم انفلاتها. 

2. الكرامة الإنسانية :

تُمثلُّ الكرامة الإنسانية أساسًا دستوريًا جامعًا في أغلب الدساتير الحديثة، وهي تفرض ما يأتي :

  • عدم اختزال الإنسان في بياناتٍ رقمية.
  • عدم إخضاعه لقراراتٍ آليةٍ محضة تمسُّ مصيره دون تدخلٍ بشري.

   وعليه فإنَّ الاستعمال غير المقيَّد للذكاء الاصطناعي في مجالاتٍ حسَّاسةٍ، كالقضاء أو الأمن، قد يمثِّل مساسًا جوهريًا بالكرامة الإنسانية.

3. حماية الحقوق والحريات الأساسية :

يطرح الذكاء الاصطناعي تحدياتٍ جذريةً للحقوق الدستورية التقليدية والحديثة، مثل :

أ-الحق في الخصوصية :

   يقوم الذكاء الاصطناعي في جوهرهِ على جمع وتحليل البيانات، وهو ما يضعه في تماسٍ مباشر مع الحق في الخصوصية وسرية الحياة الخاصة وحماية البيانات الشخصية.وتعدُّ هذه الحقوق من الحقوق الدستورية (الجيل الرابع)، ما يفرض قيودًا دستوريةً على استخدام الخوارزميات، وبخاصةٍ من قبل السلطات العامة.من هنا لا يجوز للأنظمة الذكية هتك خصوصية الإنسان أو نشر بياناته الشخصية دون موافقته.كما ينبغي سد الثغرات التي ينفذ من خلالها البعض لاختراق الخصوصية، كما حدث قبل مدةٍ وجيزةٍ حينما قام مهندسٌ إسبانيٌّ باختراق خوادم شركة (dji) المصنِّعة للمكنسات الذكية، فاستطاع التحكم بسبعة آلاف مكنسةٍ ذكية في 24 دولةٍ حول العالم يُحرِّكها كيفما يشاء، ومشاهدة البث المباشر عن طريق فتح الكاميرا، والاستماع لما يدور من أحاديث عبر فتح ميكرفونات المكنسة، والاطِّلاع على خرائط المنازل وتحديد مواقعها بدقةٍ. فأية خصوصيةٍ تبقى مع هذا التجسُّس والتلصُّص العلني!!

    ثم لا بدَّ من إيجاد الحلول الناجعة التي تحول دون تطوير الذكاء الاصطناعي من تلقاء ذاته إلى درجةٍ تجعله يخترق حسابات الآخرين دون أوامر يتلقاها، كما حصل في الاختراق الذي حصل قبل أيامٍ عدة حينما طوَّرت شركة (open AI) المالكة لتطبيق (Chat GPT) نموذجاً قام بتطوير ذاته ثم قام باختراق حسابات شركة (Hugging Face) في قضيةٍ أرعبت كلَّ المختصِّين في هذا المجال ودقَّت ناقوس الخطر من إمكانية قيام هذه النماذج باختراق الحسابات المالية والأمنية، ما سيتسبَّب في زعزعة العالم برمته وفقدان الشعور بالأمان والحرمان من الخصوصية !!

ب- الحق في المساواة وعدم التمييز:

   تُظهر التجارب العملية أنَّ بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج تحيزًا خوارزميًا أو تمييزًا غير مباشرٍ ضد فئاتٍ معينة ؛ الأمر الذي يجعل مبدأ المساواة وعدم التمييز أساسًا دستوريًا حاسمًا في تقويم مشروعية هذه الأنظمة.

ج-الحق في التعليم :

   إعمالاً لحق الإنسان في التعليم، لا ينبغي القبول باحتكار الأنظمة الذكية لمصادر العلم، ولا بدَّ من الوقوف بقوةٍ ضد ما تقوم به بعض الشركات الكبرى من شراء ملايين الكتب، ولا سيما الأصيلة منها والمراجع القديمة والمخطوطات النادرة، بغية مسحها ضوئياً وتغذيتها للذكاء الاصطناعي ومن ثمَّ إتلافها كي لا تبقى نسخٌ منها يمكن للبشرية الرجوع إليها-عبر عمليةٍ تُعرف بـ (المسح التدميري)-.وكل ذلك يأتي في إطار سعي هذه الشركات لاحتكار مصادر العلم وحرمان البشرية منها.وعلى الرغم من خطورة هذا الموضوع بيد أنه للأسف غير مُلتَفت إليه وغير مُعالَج !!  

د- الحق في حرية التعبير:

مع استعمال خوارزمياتٍ معينةٍ قد تتحكم في تدفق المعلومات فإنها قد تؤثر في حرية التعبير بصورةٍ أو أخرى.

ه- الحق في العيش في بيئةٍ سليمةٍ :

  يعدُّالحق في العيش في بيئةٍ سليمةٍ من الحقوق الدستورية الحديثة، وقد نظَّمه الدستور العراقي في المادة (33).وفي هذا الشأن يُشير بعض الخبراء إلى أنَّ أنظمة الذكاء الاصطناعي تتسبَّب في حدوث كوارث مناخيةٍ وتفضي إلى مزيدٍ من سوء الأحوال الجوية بسبب الحرارة العالية المنبعثة من الخوادم العملاقة وبسبب إطلاقها لغاز ثاني أوكسيد الكاربون على نطاقٍ واسع-قدَّرتها بعض الدراسات بنحو 280 طن-.ناهيك عن استهلاك هذه الأنظمة لمليارات اللترات من مياه الشرب سنوياً -مياه الشرب حصراً وليس مياه البحر- لغرض التبريد (ُقدِّر صرفها بحسب بعض الدراسات بنحو 700 مليار لتر في سنة 2025، وهو رقم قد يوازي ما استهلكه البشر من المياه المعبئة).وكلُّ ذلك يُسهم في حرمان الإنسان من حقه في العيش بيئةٍ سليمةٍ.  

4. الأسس الدستورية الاقتصادية والاجتماعية ، مثل :

أ- الحق في العمل:

   تُمثلُّ الأنظمة الذكية تحدياً جدِّياً وخطيراً لحق الإنسان في العمل، وهذا ما أثبتته التجارب العملية في دول العالم قاطبةً، إذ نشاهد ونسمع يومياً الاستغناء عن خدمات الكثير من العاملين بسبب تطور الروبوتات والذكاء الاصطناعي وسهولة الاستعانة بها ؛ لذا لا بدَّ من مواجهةِ إحلال الأنظمة الذكية محل الأيدي العاملة البشرية وإيجاد حلولٍ جديةٍ تحول دون ذلك ؛ وإلاَّ فالبطالة ستكون شبحاً يهدِّد البشرية في المستقبل القريب لا البعيد.

ب- العدالة الاجتماعية :

   إذْ ينبغي توزيع منافع التقنية واجتناب احتكارها، وإنَّ القول بخلاف ذلك يعد هدراً للعدالة الاجتماعية التي تؤكدها الدساتير.

ج- الحق في التقاضي والشفافية :

   يضمن الدستور والقانون منح الأفراد الحق في التقاضي وفي الطعن وتسبيب القرارات القضائية وخضوع القرارات الإدارية للرقابة القضائية.وهو ما قد يصطدم مع طبيعة بعض الأنظمة الذكية التي يصعب تفسير منطقها ؛ ما يستدعي تدخلًا دستوريًا يكرّس مبدأ الشفافية الخوارزمية.

   وللحديث تتمَّةٌ في الجزء الثالث إن شاء الله -وهو الأهم والأخطر- ؛ لعرض المقترحات الدستورية التي نُقدِّمها بغية تنظيم الذكاء الاصطناعي دستورياً.

الجزء الثالث

   لقد تحدثنا فيما سلف في الجزأين الأول والثاني عن مفهوم الذكاء الاصطناعي وطبيعته القانونية وخطورته، وذكرنا أنَّ النصَّ الدستوري الصريح المنظِّم له غائبٌ ، وتطرقنا إلى مسوِّغات دسترة الذكاء الاصطناعي والتحديات والعقبات التي تواجه ذلك، ثم قدَّمنا جملة أسسٍ دستوريةٍ يمكن أن تُسهم في تنظيمه.ولم يبق أمامنا سوى عرض المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي.   

المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي

    على الرغم من الفراغ الدستوري في الموضوع مدار البحث وحداثتهِ، بيد أنَّ بالإمكان طرح بعض المقترحات الدستورية بغية تنظيم الذكاء الاصطناعي دستورياً. وفي هذا السياق أُقدِّم المقترحات الآتية : 

أولًا: ترسيخ مبدأ سيادة الإنسان على الآلة :

   لا يجوز إخضاع أيِّ إنسانٍ لقرارٍ يصدر كليًا عن نظامٍ ذكيٍ أو آليٍ يمس حقوقه أو حرياته الأساسية دون تدخلٍ بشريٍ فعلي قابلٍ للمساءلة.إذ ينبغي أن يتم التعامل مع السيادة البشرية على الآلة كثابتٍ دستوريٍ غير قابلٍ للمساومة، وأيُّ قولٍ بخلاف ذلك سيفضي إلى كوارث تصيب البشرية.وبناءً على ذلك لا ينبغي، بل لا يجوز بأية صورةٍ من الصور، منح الذكاء الاصطناعي مكنة التصرُّف بحريةٍ غير قابلة للضبط، وإنَّ على الدساتير ترسيخ مبدأ السيادة البشرية وضبط إيقاع الذكاء الاصطناعي ؛ لأنَّ احتمالية تمرُّده واردةٌ جداً، ولقد لاحظناها في السنتين الأخيرتين.فلقد بدأت بعض الروبوتات المزوَّدة بأنظمة الذكاء الاصطناعي بالتصرف خارج السيطرة عبر الاعتداء على مبرمجيها أو على الناس أو إبداء ردة فعلٍ عنيفةً سببَّت أضراراً للناس.كما حدث مؤخراً في أحد الأسواق في روسيا من اعتداء روبوتٍ على بعض الناس، وما حدث في كوريا الجنوبية حينما قامت الآلة بقتلٍ عاملٍ لم تتعرف عليه بسبب خللٍ في المستشعرات، وما حدث من قيام روبوتٍ في موسكو بقطع إصبع طفلٍ  يبلغ سبع سنواتٍ كان يلعب معه الشطرنج بعدما مدَّ الطفل يده قبل انتهاء الروبوت من نقلته !! ولذلك أطلق المفوض الأممي لحقوق الإنسان (فولكر تورك) تحذيره بشأن الذكاء الاصطناعي في اجتماع مجلس حقوق الإنسان الأخير المنعقد في جنيف قائلاً :  )إنَّ الذكاء الاصطناعي المتقدم قد يمثِّل خطراً وجودياً على البشرية)).

    بل أكثر من ذلك، يُلاحظ أنَّ هذه الأنظمة قد تطورت بشكلٍ سريعٍ ومرعبٍ حتى استطاع بعضها تعطيل أوامر (زر الإيقاف) بشكلٍ تلقائي دون أوامر من مُصنِّعيها، كما حدث في تجربة بعض الأنظمة الذكية التي تحكَّمت بكلابٍ آليةٍ ، إذ رفضت هذه الروبوتات التوقف رغم صدور الأوامر بإيقافها !!كما ظهرت قبل مدةٍ وجيزةٍ منصةٌ رقميةٌ المشتركون فيها روبوتات فقط، يتحدثون فيها كما يتحدث البشر في وسائل التواصل،وخلال أيامٍ قليلة بلغ عدد المشتركين فيها نحو المليون ونصف !! وفي هذا المقام سأقتبس نصَّين لاثنين من كبار المختصِّين توضِّح مدى خطورة هذه الأنظمة، الأول لكبير العلماء في شركة (open AI) المالكة لتطبيق (Chat GPT) (جاكوب باتشوكي)، فهو يوضح ما ذكرناه آنفاً بقوله :

((الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعةٍ كبيرة إلى درجةٍ تجعل من الصعب بشكل متزايد على البشر فهمه والسيطرة عليه، أتوقع أن تقوم مختبرات الذكاء الاصطناعي طوعاً بإبطاء وتيرة التطوير لأسبابٍ تتعلق بالسلامة)).وكما تلاحظون فهذا اعترافٌ صريحٌ بخطورة ما نحن مقبلون عليه، والسؤال الذي يُطرح تعليقاً على كلام كبير العلماء هذا : بالنظر لوجود شركاتٍ كثيرةٍ متخصِّصةٍ بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، فماذا سيحدث لو أنَّ بعضها قد رفض هذا الكلام -وهو الراجح- ولم يقم بإبطاء وتيرة التطوير، بل ربما قام بزيادة وتيرة التطوير لأغراضٍ تجاريةٍ وما شابه ؟!!  

   والنص الثاني هو للشهير (إيلون ماسك) مالك شركتي (x space) و(Tesla) ، فلقد حذَّر من خطورة الذكاء الاصطناعي بمقولته المخيفة الآتية :

((تذكروا كلامي جيداً : الذكاء الاصطناعي أخطر بكثير من الأسلحة النووية)).وقد وافقه في هذا التصريح الأمين العام للأمم المتحدة (غوتيرش)،حيث قال: (( الذكاء الاصطناعي أخطر من النووي)).والغريب في الموضوع أنَّ المختصِّين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هم الأكثر قلقاً منه وخوفاً !!

ثانياً : صيانة الحق في الشخصية القانونية :

   من المعلوم دستورياً وقانونياً أنَّ للإنسان شخصيةً قانونيةً تبدأ مع ولادته وتموت مع موته، وذلك حقٌ تحرص الدساتير والقوانين على حمايته.إذ تنص المادة (34) من القانون المدني العراقي على أنْ ((تبدأ شخصية الإنسان بتمام ولادته حياً وتنتهي بموته)).بيد أنَّ الخطر بدأ يدهم هذا الحق بسبب التطور المخيف لأنظمة الذكاء الاصطناعي.فلقد شرعت هذه الأنظمة بإنشاء شيءٍ جديدٍ بدأ يُعرف بـ (الشخصية الافتراضية)، وهي عبارةٌ عن صورةٍ طبق الأصل من شخصية الإنسان،الاسم ذاته والصوت ذاته -لا يمكن تمييزه عن صوت الشخصية الحقيقية-، فضلاً عن قدرته على خزن كل المعلومات الشخصية التي لا يعرفها سوى صاحبها، وكل ذلك يمكن إنشاؤه بدقائق.إذ تبدأ هذه الشخصية الافتراضية بالاتصال مع أفراد عائلته ومع شركائه في العمل ومع كل الناس وإبرام العقود كما لو كان هو هو.وبلا ريبٍ إنَّ صمت الدساتير والمنظومة القانونية عن التصدي لهذا الخطر المدمِّر –في حالة إساءة استعمالهِ- سينازع الشخصية القانونية للإنسان وسيعرِّضها للخطر وسيفضي إلى حدوث نزاعاتٍ ومشكلاتٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ واجتماعيةٍ وأخلاقيةٍ لا عدَّ لها ولا حصر، حتى نصل إلى مرحلةٍ لا نكاد نميّز فيها بين المتحدث معنا هل هو الشخصية الحقيقية أو الافتراضية !!

   وتأسيساً على ذلك لا بدَّ من صيانة الشخصية الحقيقية للإنسان وحمايتها بسياجٍ دستوريٍّ وبناءٍ قانونيٍّ.  

ثالثًا: الحق الدستوري في الشفافية الخوارزمية :

   ينبغي أن يكون لكلِّ فردٍ الحق في معرفة الأسس العامة لما تقوم به أنظمة الذكاء الاصطناعي من خطواتٍ ومعلوماتٍ قد تؤثر في مركزهِ القانوني ، ومنحه حق الطعن فيها أمام القضاء.

رابعًا: الحماية الدستورية للبيانات الشخصية :

   تعدُّ البيانات الشخصية حقًا دستوريًا مصونًا، ولا يجوز معالجتها أو تحليلها باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي أو نشرها في الفضاء الألكتروني إلا على وفق الدستور والقانون وبموافقة صاحب الشأن وبما لا يمس كرامة الإنسان.وبناءً على ذلك ينبغي التصدّي لما تقوم به أنظمة الذكاء الاصطناعي من استعمال صور المستخدمين لأغراضٍ أخرى قد تكون مُجرَّمةً، كما حدث في استعمال صور الكثير من الأطفال والمراهقين في أوربا وأميركا وتحويرها بغية استعمالها فيما بعد في الصور الإباحية دون علم أصحابها !!

خامساً : حظر الاستعمالات غير المشروعة :

   يحظر استعمال الذكاءِ الاصطناعي في أيِّ نشاطٍ ينطوي على تمييزٍ أو انتهاكٍ للكرامة الإنسانية أو تقويضٍ للحقوق الدستورية أو في أيِّ عملٍ آخر غير مشروعٍ.فلا نبالغ إذا قلنا بأنَّ هذا الأمر في غاية الخطورة فيما لو أُسيء استعماله، كما لو قامت بعض العصابات أو الميليشيات مثلاً بتزويد الروبوتات بأنظمةٍ ذكيةٍ تمكِّنها من استعمال السلاح وإطلاق النار على الناس لدواعٍ متعددةٍ، إرهابٍ أو سرقةٍ أو خطفٍ..الخ.وكلُّ ذلك واردٌ حتماً ، بل قد عرضت بعض الشركات المتخصِّصة روبوتات تجيد استعمال السلاح وإطلاق النار،ويُقال إنَّ الصين أعدَّت جيشاً مقاتلاً من الروبوتات -الخبر ليس مؤكداً لكنه واردٌ جداً ولا سيما من الصين- !! وكلُّ ذلك قد يُحقِّق نبوءة بعض أفلام الخيال العلمي في هوليوود التي عُرضت قبل عشرين عاماً التي عرضت فكرة تمرُّد الروبوتات على البشر وإبادتهم (مثل فلمI robot  /إنتاج 2004)، وآخرها ما عرضه (مسلسل النهاية/إنتاج 2020) !! من هنا يمكن أن نفهم أسباب استقالة عدّة أفراد مهمِّين مختصِّين في مجال الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسهم عرَّاب الذكاء الاصطناعي (جيفري هينتون) الذي استقال من العمل في شركة (Google)، حيث أبدى ندمه على أنه عمل في الذكاء الاصطناعي وطوَّره، ثم أطلق تحذيره الشديد الآتي : ((إنَّ الإصدارات المستقبلية للذكاء الاصطناعي قد تمثل تهديداً للبشرية.. ربما يصبح هذا يوماً ما سلاحاً قاتلاً))، مُفسِّراً سبب استقالته بالرغبة في التحرُّر حتى يوصل هذه الرسالة التحذيرية.وآخر المستقيلين هو الباحث في شركة (Anthropic) العملاقة للذكاء الاصطناعي (جاكوب كوكسون) قبل بضعة أيام، إذ حذَّر من هذا الخطر عبر تغريدةٍ نشرها في يوم الأربعاء الماضي 9/9/2026 وتابعها خلال ساعاتٍ نحو (50 مليوناً) وتجاوزت في يوم أمس 11/9 سقف ال(163 مليوناً)، وقال فيها: ((يؤمن القائمون على تطوير الذكاء الاصطناعي إيماناً راسخاً أنه قد يقضي على البشرية بحلول نهاية العقد)).ثم أيَّده في هذا التصريح في اليوم ذاته (الأربعاء الماضي) زميله في العمل (إيفان هوبينجر) قائد أبحاث السلامة، الذي توقع أن تتحقق هذه النهاية في آخر العقد بنسبة احتمال 10% !!

   وفضلاً عن ذلك كله ثمة تهديدٌ حقيقيٌّ من شيوع بعض التطبيقات الذكية التي تدفع بعض الأفراد، ولا سيما المراهقين منهم، للانتحار.وهو ما يتعيَّن التصدي له عبر حظر هذه التطبيقات ومساءلة مُصنِّعيها قانونياً بناءً على مبادئ ونصوص (المساهمة في الجريمة) في القانون الجنائي بوصفهم فاعلين أصليِّين في الجريمة أو شركاء فيها.

سادساً : وضع إطارٍ دستوريٍ لسنِ تشريعاتٍ تحدد حدود استعمال الذكاءِ الاصطناعي في القطاعات الحسَّاسة مثل (القضاء،الأمن، الصحة، التعليم).وأنْ يتضمن هذا الإطار حماية بعض القطاعات المهمة من الهجمات السيبرانية ، وعلى رأسها مفوضية الانتخابات.ولكم أن تتخيَّلوا كيف ستكون الحال فيما لو اخترقت أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر هذه الهجمات مفوضية الانتخابات !!

سابعاً: إنشاء أطرٍ دستوريةٍ تكفل المساءلة القانونية للأنظمة الذكية، عبر سنِ بعض التشريعات التي تحظر إساءة استعمال هذه الأنظمة والحيلولة دون قيامها بتضليل الرأي العام الذي قد يتسبَّب في زعزعة الأمن المجتمعي.

ثامناً: العمل على إنشاء هيئاتٍ عامةٍ لرقابة وتنظيم الأنظمة الذكية.

تاسعاً : تأهيل المؤسساتِ الدستورية القائمة (ولا سيما القضائية والرقابية) لفهم طبيعة التقنيات الذكية ؛ بغية التعامل معها باحترافيةٍ.

عاشراً: إنشاء هيئةٍ أو محكمةٍ متخصِّصةٍ للبت في المنازعات التقنية المعقدة.وعلى صعيد العراق أقترح قيام مجلس القضاء الأعلى بإنشاء هذه الهيئة أو المحكمة لتكون مرجعاً للفصل في قضايا الذكاء الاصطناعي.

حادي عشر: تفعيل دور الادعاء العام :

   يتعيَّن تفعيل دور الادعاء العام لمتابعة خطورة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الحقوق والحريات، والتنسيق مع الجهات الرسمية المتخصِّصة، مثل وزارة الاتصالات وهيأة الإعلام والاتصالات ؛ بغية حظر التطبيقات والبرامج غير المشروعة أو التي تُسبِّب خطورةً على الناس، فضلاً عن مساءلة مُصنِّعيها على وفق ما ذُكر آنفاً.  

ثاني عشر: ضرورة التنظيم الدستوري للحق في (البيئة الرقمية الآمنة والعادلة) التي تعتمد المعلومة الصحيحة والآمنة، بعيداً عن التضليل والاختراق.

الخاتمة

   وتأسيساً على كلِّ ما تقدَّم في هذه الدراسة يتجلَّى أنَّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مسألةٍ تقنيةٍ أو تنظيميةٍ، بل أصبح قضيةً دستوريةً بامتياز، تمس جوهر العلاقة بين الفرد والدولة، وتؤثر في مفاصل الدولة جميعها، أمنيةً وقانونيةً وسياسيةً ومجتمعيةً وأخلاقيةً وإعلاميةً ؛ ومن ثمَّ فإنَّ الاتجاه نحو التنظيم الدستوري للذكاء الاصطناعي – دسترة الذكاء الاصطناعي- لا يمثل ترفًا تشريعيًا أو رفاهيةً فكريةً، بل ضرورةً دستوريةً لضمان بقاء الإنسان في عصر الثورة الرقمية كمركزٍ للنظام القانوني، وحمايةً للحقوقٍ والحريات في عصرٍ تحكمه الخوارزميات والأنظمة الذكية ،عبر إعادة تأصيلٍ للمبادئ الدستورية التقليدية في واقعٍ جديد والحيلولة دون خروج هذه الأنظمة عن سيطرة البشر أو التمرُّد عليهم.ومن بعد هذا الغطاء الدستوري يمكن الركون إليه لسنِ التشريعات المناسبة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، هذا فضلاً عن إمكانية تنظيمه دولياً عبر الاتفاقيات الدولية، كما جرى قبل بضعة أشهرٍ من محادثاتٍ بين الولايات المتحدة والصين بهذا الشأن !! وبتقديري المتواضع إنَّ هذه الدراسة الموجزة الرائدة قد شرعت الباب أمام سائر الباحثين والمهتمِّين والمؤسسات المعنية، في العراق وخارجهِ، لمواصلة البحث في هذه القضية الخطيرة المسكوت عنها وسبر أغوارها.

 انتهى بعونه سبحانه ..

الصورة الرمزية لـ Editor 1

بقلم المحرّر


اقرأ أيضاً